كــــــلمـــــة الشـــــــــهــــــر

بقلم

فضيلة الأستاذ الدّاعية الشيخ

عبد اللّطيف جسوس

 

في المغرب، وفي المشرق أيضا، لا يذكر اسم "عائلة ابن الصديق" إلا مقرونا بما لهذه الأسرة الشريفة الحسنية من منزلة علمية سامية، جعلتها مرجعية معتمدة في الفقه والحديث، وميزتها في دعوتها إلى إحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاهتداء بها في الأخلاق والسلوك سواء على صعيد الأسرة أو الحكومة؛ لتكون الشريعة الإسلامية هي القانون المهيمن في المجال القضائي، وفي كل الشؤون السياسية، والتعليمية، والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها. مما يجعل الدولة دائما في ارتباط محكم يلزمها تطبيق أحكام الشريعة كلها، دونما العمل بتطبيق بعضها والإعراض عن البعض الآخر، حتى لا يشملها من توعّدهم الله تعالى بقوله:" أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ " ( سورة البقرة : 85 – 86 )فالمؤمنون والمؤمنات لا خيار لهم في أمور الدين والدنيا إلا بما قضى به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم امتثالا لقوله تعالى : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً " الأحزاب36 .
ومن المعلوم في الدين بالضرورة بالضرورة أن الحجة في مصداقية الإيمان بالله ورسوله لا تقوم إلا على أساس الطاعة المطلقة لكل ما أنزل الله تعالى في كتابه ، القاضي بالاتباع وبالطاعة على الإطلاق لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما بيّن في سنته المحتوية على كل أقواله وأفعاله وتقريراته ، فهي مع القرآن الكريم الحجة والبرهان والمعيار في مصداقية الإسلام والإيمان، فهي وحدها البيان لكتاب الله، والمفتاح لأبوابه، لفهم أحكامه وإدراك مراده، وتذوّق أسراره وإعجازه، ففيها وحدها البيان المعصوم الشافي، المتكامل، الكافي للشريعة كلها، تبيّن تفصيل مجمل القرآن الكريم، وتوضح مبهمه،وتزيل المتشابه في متشابهه ...
فكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متلازمان متلاحمان، لاينفصل أحدهما عن الآخر على الإطلاق، وذلك أن مصدرهما واحد، وهو الوحي من الله سبحانه وتعالى، القائل في كتابه الكريم، واصفا رسوله  صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى:" وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هو إلاّ وحي يوحى" . وقوله تعالى:" وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ". فسدَّ بذلك الباب في وجه الضالين المضلين، الذين يبغونها عوجا وارتدادا عن الدين، فيزعمون بأن لا حجة إلا من القرآن وحده، دون أن يفكروا فيما يقولون، أو يتدبروا القرآن ويعقلون فيما يدّعون، فتناقضوا مع أنفسهم، وأقاموا عليهم كل الأدلة بأنهم لا يؤمنون بالقرآن، إذ لو آمنوا بالقرآن لما خالفوه وأعرضوا عنه، وأنكروا ما به ضرورة لا يكون المسلم مسلما ومؤمنا إلا بالاتباع والاهتداء والانقياد لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والاحتجاج بها مع القرآن الكريم الذي نص عليها واستفاض في الأمر بها، وجعلها العلامة والبرهان والحجة على الحقيقة في الإسلام والمصداقية في الإيمان، وذلك في الكثير المستفيض من آيات الله البينات المحكمات التي جاءت في كتاب الله الكريم، نأتي – على سبيل المثال – بذكر بعضها :
منها قوله تعالى :" فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً" النساء65 .
وقوله تعالى:" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"النور63.
وقوله تعالى:" قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " آل عمران31 .
وقوله تعالى:" وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"النور56 .
وقوله تعالى:" فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"الأعراف158.
وقوله تعالى:" مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً"النساء80 .
وقوله تعالى:" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"الحشر7 .
ذلك أنه ما جاء أمر بطاعة الله في كتابه الكريم إلا قرن الله معه الأمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك ما ورد في القرآن الكريم تحذيرا أو تخويفا من معصية الله إلا عطف الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عليه في هذا التحذير أو التخويف.
ومن هذا المنطلق في الدعوة إلى العمل بالكتاب والسنة وتوعية المسلمين بما يقتضيه الإسلام والإيمان، شهد المغرب في تاريخه غير البعيد ،-وقت سقوطه بين مخالب الاستعمار الفرنسي والإسباني- الدور الرائد في محاربة الكفر والإلحاد، ورفع راية الجهاد، الذي قام به العارف بالله، أستاذ الصوفيين، وشيخ العلماء الربانيين، الإمام أبي عبد الله سيدي محمد بن الصديق الحسني رضي الله عنه ( المتوفى في 6 شوال 1354 هـ، الذي كانت له مواقف حاسمة مشهودة في محاربة الغزو الاستعماري الصليبي، مما جعل أحد حكام فرنسا بالمغرب، المسمى =بول إيدينيو= يقول في تصريح له نشرته صحيفة فرنسية ما نصه بالحرف : " إننا وجدنا المساعدة من كل شيوخ الطرق بالمغرب إلا محمد بن الصديق بطنجة " وتاريخه رحمه الله حافل بمواقفه الصارمة مع الاستعمار الفرنسي والإسباني على السواء، فجموع المسلمين الغفيرة التي كانت تضيق بهم رحاب المسجد الكبير بطنجة شاهدة على مقاومته الشديدة للاستعمارين المذكورين،وعلى سبيل المثال، فموقفه معروف عندما أقبلت فرنسا على فتح أول مدرسة لها بطنجة، وأرسلت لذلك الوزير ابن غبريط، فوصف ذلك – رحمه الله – بأنه مكر من فرنسا وخطة صليبية لتضليل أبنائنا وإبعادهم عن الإسلام، وصدع بذلك علانية في دروسه، وفي مختلف جلساته وتجمعاته، مؤكدا وموضحا بأن فرنسا ليس مرادها التعليم ومحاربة الجهل، وإنما مرادها وغايتها التضليل والتنصير ومحاربة الإسلام والمسلمين، لما في التعليم عن طريق أعداء الدين، من خطر داهم محقق في تنصير أولاد المسلمين، وأدركت فرنسا بالطبع بأن أكبر مساعد لها على ذلك هو الاعتماد على نشر لغتها ومحاربة اللغة العربية، وصدقت فراسة العارف بالله رضي الله عنه ... وتخرج من هذه المدرسة ومثيلاتها في باقي المدن المغربية من كانوا رسلا وأعوانا للاستعمار، وحربا على الإسلام وأهله. فالواقع ، وإلى يومنا هذا ،أكبر شاهد : فما تدهورت الأوضاع التعليمية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ، وشاع المنكر وكل أنواع الفساد ، وعم البلاء برزاياه وبلاياه كل مدن المغرب وقراه ، إلا على يد تلاميذ المدارس الفرنسية الذين أمسكوا بزمام مختلف الوزارات عبر مسلسل الحكومات التي شهدها المغرب منذ استقلاله، حيث انساقت جميعها مع مصالح الغرب الصليبي في كل سياستها، لا تقيم للإسلام أيَّ وزن أو اعتبار...
هذا، والإمام سيدي محمد بن الصديق رحمه الله، من أبرز الرجال الأعلام في الطريقة الصوفية الذي بذل جهدا واسعا مشكورا في تنقيتها مما ألصق بها كثير من الجهلة من أخلاق وسلوك يتناقض جملة وتفصيلا مع ما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وهدى الله على يده خلق كثير في مدن المغرب وقبائله، بل امتد ذلك حتى خارج المغرب، خاصة في مصر والسودان والسينغال، فأعاد بذاك للتصوف حقيقته الربانية، وإشراقاته النورية، وتجلياته الروحية باعتباره مقام الإحسان وهو :" أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " كما جاء في حديث جبريل عليه السلام .
إن الله سبحانه وتعالى قضت رحمته بأمة رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يقيض لها في كل عصر نخبة من صفوة العلماء الربانيين، يقومون بالدعوة إلى نشر سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بها. وفي عصرنا، وبالمغرب تمثلت هذه النخبة والصفوة في أبناء الإمام سيدي محمد بن الصديق، بعدما تعهدهم ـ رحمه الله _  منذ طفولتهم بموفور العناية، وكمال التربية، المتسمة بدقة الملاحظة والمثالية في التوجيه عبر كل مراحل حياتهم، سواء منها العلمية أو الاجتماعية. فكانوا خير من تربى على يده، وخير خلف ـ بتوفيق الله ـ تركه من بعده، يتميز بالانضباط في القول والعمل بما يقتضيه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانوا مثالا للأئمة الحفاظ النقاد، والعلماء الربانيين المرشدين الوعاظ، الرُّواد لحركة علمية متوقدة متجددة، دأبت على محاربة الجمود، والتقوقع في محيط التقليد بما لا سند له من القرآن والسنة، واستنهضوا عبر حلقات دروسهم العلمية المتميزة بسعة التحليل، ووضوح الدليل الرابط بين القرآن والسنة، وأقاموا بهذا مدرسة علمية على المنهاج النبوي، لا تتقيد ولا تنقاد في مسيرتها ولا يضبط مسارها إلا بما له السند في الحجة والبرهان من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وانتشر بذلك بين العلماء وطلبة العلم الإقبال والاعتكاف على مدارسة السنة النبوية في صحاحها، وجوامعها ومسانيدها، والاعتداد والاعتماد على حجيتها، باعتبارها- عند كل بحث علمي ـ المعيار والميزان الذي به بعرف الحق من الباطل، ويتبين الرشد من الغي .
في هذا المقام ، آثرت الحديث - ولو بسرعة وإيجاز- عن أستاذي، وشيخي الإمام الحافظ والعلامة المجاهد سيدي عبد العزيز بن الصديق المتوفى بتاريخ 6 رجب 1418 هـ         رحمه الله ورضي الله عنه، باعتباره من أعلام علماء الإسلام القلائل الذين تعددت جوانب شخصيتهم، وتألقت في شتى العلوم فبيَّنوا في واقع الناس وجسَّدوا القدوة في الاتباع والاهتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما ورد وصح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قول وفعل وتقرير، باعتبارها وحدها الحجة والبرهان الدالة على الإسلام والإيمان. فهو -رحمه الله- من هؤلاء الأعلام الذين جمع الله فيهم ما افترق في غيرهم .
وقد احترت في أي جانب من جوانب شخصيته المتكاملة يكون الحديث، هل بصفته العلامة الأصولي المجتهد؟ أم بصفته الإمام الحافظ المستدرك الناقد؟ أم بصفته المصلح الاجتماعي الرائد، والمجاهد الصبور الصامد؟ أو بصفته المحلل السياسي الخبير بالسياسة العالمية، ومكر قادتها في الغرب والشرق معا والتي رغم اختلاف أنظمة حكمها، تتفق دائما وبسعي حثيث وتنسيق ماكر عندما ما يتعلق الأمر بمحاربة الإسلام وتمزيق وحدة المسلمين.

2-1