بحـــــوث و أعـــــــــمـــــال

 

                  رخص الصيام وتشديدات الفقهاء المقلدين


للعلاّمة المحدّث السيد عبد العزيز بن الصدّيق 


إذا ابتعد المسلم عن منهاج السنة المحمدية السمحة؛ واتبع آراء الفقهاء و
أقوالهم غرق معهم في البحر المظلم المتلاطم الأمواج بالخلافات والظنون التي لا يقوم عليها دليل ولا يؤيدها برهان، ولا تسندها حجة، كما ذكر ابن عبد البر في جامع بيان العلم و فضله 2/33  عن مالك رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين. فهذه الآراء العارية عن الدليل، إنما هي مجرد فهم  صدر عن خطأ من فرد ثم تسلسل الأخذ به حتى صار دينا عند جهلة الفقهاء البلداء، يرون الخروج عنه خروجا عن الجماعة، وبعدا عن شريعة الإسلام؛ وسلوكا لغير سبيل المؤمنين
!! مع أنهم وأيم الله- هم أحق الناس بهذا الوصف؛ وألصق به من غيرهم !! . وإمامهم مالك رحمه الله تعالى الذي يزعمون تقليده، والتزام مذهبه كذبا وزورا، يتبرأ منهم ومن عملهم، وقولهم هذه برآة الذئب من دم يوسف.
(قال مالك رحمه الله تعالى إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) رواه ابن عبد البر في جامع العلم 2/32.. فترك السنة الثابتة الصحيحة لقول المذهب خروج عن قول مالك، ونهيه عن ذلك؛ وقال أيضا (ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم). وقال ابن عبد البر في (جامع العلم) 2/82/ وفي سماع اشهب سئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه الثقة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم  أتراه في ذلك في سعة ؟ فقال لا والله يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صوابين جميعا ما الحق والصواب إلا واحد. فها هو اشهب وهو من أفقه أصحاب مالك وأوثقهم ينقل عن إمامه أنه إذا صح الحديث فلا يسع أحدا أن يخالفه لأن الحق واحد وهو ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وأله وسلم، وما سواه خطأ غير صواب…
وكل هذا رماه المقلدة المتأخرون وراءهم ظهريا، وتمسكوا بالمذهب رغم مخالفته للحديث؛ جهلا منهم بنهي إمامهم عن ذلك، وتعصبا بالهوى للباطل ومعاندة السنة وتركها بغير دليل ولا كتاب منير
!! وبذلك – والعياذ بالله تعالى- وقعوا و أوقعوا من أتبعهم في الضلال والخسران؛ ومعصية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ومخالفة إمامهم الذي يزعمون تقليده؛ واتباعه. قال الشيخ الأكبر في الفتوحات 1/499/ فأبت المقلدة من الفقهاء في زماننا أن توفى حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها الحديث الذي أمرها بها إمامها، وقلدته في الحكم مع وجود المعارض فعصت الله تعالى في قوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه) وعصت الرسول في قوله فاتبعوني، فإنه ما قالها إلا عن أمر ربه سبحانه؛ وعصت إمامها في قوله خذوا بالحديث إذا بلغكم، واضربوا بكلامي الحانط فهؤلاء في كسوف دائم مسرمد عليهم إلى يوم القيامة، فلا هم مع الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا مع إمامهم فلا حجة لهم عند الله تعالى فانظروا مع من يحشروا هؤلاء. انتهى كلام الشيخ الأكبر. وهو في غاية الإفادة، والتحذير لمن بلغه الحديث الصحيح، ورده لقول إمامه؛ ومبينا لجهل المقلدة في هذا الصنيع المخزي بالمسلم في رد حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقول غيره، وماذا عسى أن يكون مقام هذا الغير؟ في العلم والدين، والرتبة العظيمة في الإمامة ؟ أظنه لو بلغ ما بلغ في كل ذلك فإنه لن يبلغ مقام كليم الله موسى عليه الصلاة والسلام؛ ومع ذلك لما أتى عمر بأوراق من التوراة ليتذكر بما فيها غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: أمتهوك أنت يا عمر؟ !   لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي !!
فمن يقدم بعد هذا على تقديم قول إمام ـ مالك أو غيره ـ على سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ولهذا احتاط الأئمة في هذا الأمر وأوصوا كلهم من أخذ عنهم أن يأخذ بالحديث إذا خالف قولهم؛ كما تجد ذلك عنهم بأسانيدهم في جامع بيان العلم لابن عبد البر  وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني والأحكام لابن حزم، وغيرها من الكتب التي ألفت في موضوع مخالفة المقلدة للسنة لأجل المذهب؛ بل بلغ الأمر بالإمام مالك في هذا الموضوع أن أبا جعفر المنصور أراد أن يحمل الناس على رأي مالك، ويلزمهم باتباع ما في المرطأ من فقه فقال: لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم منهم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه. وقال ابن كثير في مختصر علوم الحديث لابن الصلاح: وقد طلب المنصور الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه، فلم يجبه إلى ذلك، وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها. ولما ذكر الشعراني هذه القصة في الميزان 1/35/ قال عقبها: فانظر يا أخي إن كنت مالكيا إلى قول إمامك فكيف يجوز بعد هذا القول من مالك أن يلزم المقلدة الناس باتباع قوله، والتزام مذهبه. وقد قال ابن عبد البر لم يبلغنا عن أحد من الأئمة أنه أمر أصحابه بالتزام مذهب معين لا يرى صحة خلافه بل المنقول عنهم تقريرهم الناس على العمل بفتوى بعضهم بعضا لأنهم كلهم على هدى من ربهم؛ وقال أيضا: لم يبلغنا في حديث صحيح ولا ضعيف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أحدا من الأئمة بالتزام مذهب معين لا يرى خلافه؛ انظر الميزان للشعراني1/33/ .
فالتزام مذهب معين وإلزام الناس بالتدين به في جميع مسائله وفروعه، سواء صح دليلها أو لم يصح؛ من أقبح البدع التي ظهرت في الإسلام؛ وشر ما حدث في الأمة من المنكرات، لأن ذلك يدعو أولا إلى ترك السنة وإماتتها عمدا كما حصل من المقلدة، وذلك كفر صراح بواح يوجب اللعنة كما ورد في الحديث " ستة لعنتهم وكل نبي مجاب.. فذكر منهم: التارك لسنتي" ويدعو ذلك ثانيا إلى إبطال فرض من الفروض الواجبة في كل عصر وهو الاجتهاد فيما ينزل بالناس من النوازل التي تحتاج إلى ما يتعلق بها من حكم الشرع فيها؛ فما بلد الأفهام وصرف العقول عن الغوص في الكتاب والسنة لاستخراج أحكام ما يجدّ من أحداث وحواديث إلا التقليد الأعمى الذي اعتنقه المقلدة وجعلوه دينا لجهلهم؛ ونكوصهم عن الهمم العالية؛ والأمر لله تعالى. ولم يخترع القول بإلزام الناس بمذهب معين، ودعا إليه بعض حكام عصره إلا عبد الله بن المقفع المجوسي الأصل الذي قال فيه ابن مهدي ما رأيت كتابا في الزندقة إلا وأصله من ابن المقفع؛ انظر البدايةوالنهاية 10/96. ولعله وضع هذا القول ليصد الناس عن اتباع الإسلام الذي جاءت السنة بأحكامه وبيان أصوله وفروعه، ـ لا كان الله له ـ وقد قتل شر قتلة، والعياذ بالله جزاء له من الله تعالى على ما اخترع وافترى من حمل الناس على مذهب معين، سواء كان قول ذلك المذهب موافقا للحق والصواب أو مخالفا له.
ومنذ ظهر هذا القول الباطل، والعلماء يصنفون الكتب في رده وإبطاله وبيان فساده، وإن العمل به يؤدي إلى ترك الكتاب والسنة، ويسد باب الاجتهاد الواجب في كل عصر وزمان، وقد ألف الحافظ السيوطي في هذا كتابا قيما سماه: ( الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض) وقد طبع مرتين. كما تناول الرد على الالتزام بمذهب معين ابن عبد البر وهو من أئمة المالكية في كتابه ( جامع بيان العلم)، وابن القيم الجوزية في ( أعلام الموقعين) وأبو شامة في كتابه ( المؤمل في الرد إلى الأمر الأول) وهو في غاية الإفادة، يجب على المسلم المتحرر من ربقة الجمود أن يكون ملازما لقراءته مجتهدا في حفظه.
وبعد هذه المقدمة المختصرة الصغيرة التي نرجو أن تكون مرشدة هادية لمن أراد الله تعالى له سلوك سبيل الحق والرشاد، نقول إن الفقهاء أتوا بأحكام تتعلق بصيام رمضان فيها حرج، وضيق بعيد عن روح سماحة الشريعة المحمدية، وما ذلك إلا لبعدها عن السنة. من ذلك أنهم يُلزمون من أكل وشرب ناسيا في رمضان فعليه قضاء ذلك اليوم، وهذا مخالف للحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه. فإنما أطعمه الله وسقاه " وفي لفظ " إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزقه ساقه الله تعالى إليه ولا قضاء عليه " رواه الدارقطني وصححه. وفي لفظ عند الدارقطني " من أفطر يوما من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة ". فإيجاب القضاء على من أكل أوشرب ناسيا مخالف لحكم من أرسله الله تعالى ليبين للناس دينهم؛ فهو تقدم بين يدي الله ورسوله، والحديث موافق لقول الله تعالى < ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم >. فالنسيان ليس من كسب القلوب، قال الحافظ: وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه. ومن العجب أن المالكية يخالفون في إيجاب القضاء على الناسي العقل، وحكم الطبيعة، فيقولون أن الناسي معه ضرب من التفريط فهذا القول في الناسي لا يقول به من له معرفة وعلم كما لا يخفى، والحديث يشير إلى رد قولهم هذا فإن قوله: " فإنما أطعمه الله وسقاه " يستدل به على صحة صوم الذي أكل ناسيا أو شرب، لإشعاره بأن الفعل الصادر منه مسلوب الإضافة إليه، فلو كان أفطر لأضيف الحكم إليه، ولأجل هذا قال الحسن ومجاهد أن من جامع ناسيا فلا شيء عليه، قال الحسن هو بمنزلة من أكل وشرب ناسيا. والجماع وإن كان يخالف الأكل والشرب لأن نسيان المجامع نادر بالنسبة للأكل والشرب لكن في بعض طرق الحديث " من أفطر في شهر رمضان" لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع، وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في الطريق الأخرى لكونهما أغلب وقوعا ولعدم الإستغناء عنهما غالبا؛ وللمالكية في رد العمل بهذا الحديث تمحلات لا طائل تحتها ولا تحتوي على علم.
ومما يكرهه الفقهاء للصائم: الغسل ودخول الحمام واستعمال الماء. وكل هذا مخالف لمنهاج السنة، ففي سنن أبي داود عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله و سلم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعرج يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر. وفي البخاري: بلّ عمر ثوبا فألقى عليه وهو صائم. ودخل الشعبي الحمام وهو صائم. وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدركه الفجر جنبا في رمضان من غير حلم فيغتسل ويصوم.وقال الحسن لا بأس بالمضمضة، والتبرد للصائم. وقال أنس: إن لي ( ابزن) وهو حجر منقوش شبه الحوض. وهو ما نسميه اليوم ( باالبانيو) قال أنس: أتقحم فيه وأنا صائم. قال عيسى بن طهمان: سمعت أنس بن مالك يقول: إن لي ابزن إذا وجدت الحر تقحمت فيه وأنا صائم.
ويكره الفقهاء للصائم الاكتحال والتعطر ودهن الرأس، والقطرة في الأذن والأنف، والحقنة بجميع أنواعها في العرق وغيره، وفي الدبر، ووضع الدواء على الجرح، وكل هذا لا دليل على قولهم فيه إلا مجرد الرأي. والمحرم على الصائم هو الأكل والشرب متعمدا، وكذلك الجماع، وإلحاق شيء آخر بغير هذا فلا دليل عليه، ولهذا ورد عن جماعة من السلف استعماله والفتوى به بدون كراهة مطلقا. وقد أشار البخاري في صحيحه إلى بطلان هذه المكروهات بما يعلم بمراجعته، ويجوز للصائم أن يقبل امرأته سواء كان شابا أو شيخا؛ والمنع من ذلك مخالفة للسنة الصحيحة في ذلك. كما يجوز له أن يذوق شيئا من الطعام الذي يطبخ لأجل الملح أو غيره من غير أن يدخل شيء من ذلك إلى حلقه، وإنما يذوقه ثم يمجه. وإذا أصبح الصائم جنبا فلا شيء عليه ولا كراهة فيه، ولكن يجب عليه أن يبادر بالصلاة قبل طلوع الشمس ولا بد.. ومما ينبغي للصائم أن يعلمه أنه إذا كان يشرب ماء أو لبنا وسمع آذان الفجر فلا يترك شرابه حتى يستوفيه. وكذلك إذا ظن أن الغروب وجب فأفطر ثم ظهر خلاف ذلك. فلا شيء عليه. والمرضع التي تخاف على ولدها قلة اللبن في ثديها إذا صامت وهو لا يقبل غير ثديها ولا يشرب اللبن الاصطناعي في (الببرون) يجب عليها الفطر ولا قضاء عليها ولا فدية لأنها أفطرت لإنقاذ ولدها لا لمرض بها، والله تعالى أوجب القضاء على الصائم الذي يفطر لمرض به كما قال تعالى < فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر>
وأما الفدية فلا معنى لها هنا، وكذلك الحامل إذا قال لها الطبيب الثقة أن الصيام يضر بحملها فيجب عليها أن تفطر ولا قضاء عليها، نعم إن أفطرت لأجل ضعف يصيبها بسبب الحمل فيجب غليها القضاء حينئذ، لأنهاأفطرت بسبب المرض، والشيخ الكبير الهرم الذي لا يستطيع الصوم يفطر، ولا فدية عليه.
وإن كان بعض الفقهاء يقولون بوجوب الفدية عليه وذلك غير صواب. لان الفدية كانت واجبة عندما كان الأمر في صيام رمضان على التخيير من شاء صامه، ومن شاء أفطره، وأعطى الفدية عن كل يوم. كما قال تعالى:< وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين > ثم رفع الله تعالى هذا الحكم بقوله :< فمن شهد منكم الشهر فليصمه > إذا كان مطيقا لصيامه بدون أن يلحقه جهد أو ضرر في الصيام، ثم بين تعالى حكم المريض والمسافر بقوله: < فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر> ولم يزد تعالى أمرا آخر على القضاء، فالذين أوجبوا الفدية على الشيخ الهرم الكبير الذي لا يستطيع الصيام، لا دليل لهم فيما أوجبوه.
فهذه أحكام تتعلق بالصيام يكثر السؤال عنها في رمضان، ويقع الكثير في حيرة من امرها لأجل ما أحاطه بها الفقهاء من آراء وأقوال، وفهوم ما انزل الله تعالى بها من سلطان. فيجب على المسلم والمسلمة أن يكونا على بينة منها وعلم بها، ليخرجا بسببها من تضييق الفقهاء المقلدة إلى سعة فقه السنة السمحة. والله تعالى الموفق.