بحث للعلاّمة السيد عبد العزيز بن الصدّيق في موضوع:
اتحاد المسلمين في الصوم والإفطار
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى وصلى الله وسلم على رسوله المصطفى وعلى آله ومن بهم اقتفى.
وبعد: فقد اختلف أهل العلم في شأن هلال رمضان هل تلزم رؤيته في بلد سائر البلاد والأقطار، أم لكل إقليم وقطر مَطلع ورؤية تخصه.. فلا يتبع قطر قطرا آخر في الرؤية.
فذهب الجمهور إلى أن الهلال إذا رؤي في بلد لزم العمل به سائر البلاد لا فرق بين القريبة والبعيدة وهذا هو المشهور من مذهب مالك كما في مختصر خليل حيث قال: ( وعمَّ أن نقل بهما عنهما لا بمنفرد ). قال الدردير وعم الصوم سائر البلاد قريبا أو بعيدا أن نقل ثبوته بهما أي بالعدلين أو بالمستفيضة عنهما.
لأن الخطاب في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته خطاب لجميع الأمة. فإذا رآه أهل بلد انصب حكم الرؤية على الجميع، ولم يرد عن الشارع ما يدل على اعتبار الرؤية لكل بلد حتى يخص هذا العموم.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أحكام الشريعة مبنية على الأمور المحققة التي يستوي في معرفتها العالم والجاهل على السواء، فإذا علق أمر الرؤية على اختلاف المطالع أو اتفاقها – على القول بوجودها – يكون في ذلك عسر وأي عسر. لأن ذلك لا يعرف إلا بحساب أهل الفلك وتقدير أهل الهندسة. فيتوقف الأمر في هذا الركن العظيم من أركان الإسلام إلى الرجوع إلى أهل الفلك والهندسة ليخبروا بأن البلد الفلاني متفق مطلعه مع البلد الفلاني فيلزم العمل برؤيته، والبلد الآخر مثلا لا يتفق معه فلا يلزم العمل برؤيته.
وهذا عسير جدا وهو شبيه بإثبات الشهر بحساب المنجمين في العسروالضيق. بل ربما كان أعسر وأشق وأشد ضيقا، ومن تتبع أحكام شرعنا الحنيف السهل المأخذ لا سيما في مسألة الأهلة والمواقيت وجدها مبنية على ما قلنا من غير ملاحظة حساب ولا قوانين فلكية وقواعد هندسية مطلقا، كما قرر ذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله في الحديث الصحيح: ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب).
وأعظم دليل على ذلك: أن أوقات الصلوات علقها على أمور محسوسة مشاهدة يستوي في معرفتها العالم والجاهل كما هو معلوم.
ووقت الإفطار علقه على غروب الشمس من أفق الصائم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أدبر النهار من ههنا وأقبل الليل من ههنا فقد أفطر الصائم.
فكذلك رؤية هلال رمضان علقها على الرؤية فإذا شوهد فقد لزم الجميع من غير أن يلاحظ هل مكان هذه الرؤية يوافق هذا المكان في المطلع أم يخالفه. لأن كل ذلك شرع لم يأذن الله تعالى به.
ولأن قوله عليه الصلاة والسلام: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، عام يشمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها كسائر الخطابات والتكاليف الشرعية الأخرى التي تتعلق بجميع المسلمين بدون نظر إلى فارق أبدا.
فتخصيص قوله عليه الصلاة والسلام صوموا لرؤيته برؤية دون رؤية، تحكم بأباه العقل ويرفضه النظر الصحيح !!
هذا من جهة فقه المسألة. وأما من جهة النظر فإن مسألة اختلاف المطالع تكاد تكون كاسم (الغول) و (عنقا مغرب) لا حقيقة لها مطلقا.
بدليل أننا نتفق أحيانا في الرؤية مع البلاد البعيدة عنا كمصر و الشام و الحجاز، فلو كان هناك مطالع مختلفة للهلال وأن لكل قطر مطلعه، لما حصل اتفاق مطلقا. لأن القمر يسير بحساب دقيق لا يختلف عن فلكه قيد شعرة.
فلا يجوز في قضية العقل أن تكون رؤية ممنوعة من جهة الوضع الطبيعي له بالنسبة إلى بلد معين. ثم بعد ذلك يخرج عن قانون سيره ووضعه. فيُرى في ذلك البلد ولو مرة واحدة.
هذا مستحيل كما يستحيل أن تكون الشمس في كبد السماء في القاهرة وطنجة في وقت واحد في يوم من الأيام ما دامت السموات والأرض !!
ولهذا نجد القائلين باختلاف المطالع يخبطون خبط عشواء ويركبون متن عمياء ويسيرون في شأن تحديدها على غير هدى !!
وكان يلزمهم – قبل كل شيء- ليكونوا على بصيرة من هذا الأمر الذي يتعلق بركن من أركان الإسلام الخمسة أن يحققوا ويعرفوا البلاد التي تتفق مطالعها مع مطلع بلدهم والبلاد التي تختلف مطالعها مع مطلع بلدهم.
وبذلك يمكن لهم الأخذ بالاحتياط في الصوم والإفطار وهو من الواجبات في هذا الباب كما لا يخفى وإلا فقد يكون مثلا مطلع الجزائر متفقا مع مطلع المغرب. وهم لا يصومون على رؤية الجزائر.
فيكونون قد أفطروا في يوم من رمضان وصاموا يوم العيد المحرم صومه بإجماع الأمة وهم لا يشعرون.
وقد يكون مطلع طنجة ( والتي تقع شمال المغرب ) مثلا مختلفا مع مطلع ورزازات وطرفاية ( يقعان جنوب المغرب ) وهم يصومون على رؤيتهما فيكونون يصومون في شعبان ويفطرون في رمضان، لأنه إذا كان أمر اختلاف المطالع واتفاقها على زعمهم يرجع إلى خطوط الطول والعرض كما هو الشأن في الشروق والغروب اللذين يحتجون باختلاف أوقاتهما في البلاد على اختلاف المطالع، فبالضرورة نعلم ونتحقق أن خط العرض الذي يمر بطنجة غير خط ورزازات وطرفاية. وأن وقت الشروق والغروب في طنجة مختلف عن وقتهما في ورزازات وطرفاية وإن كان اختلاف المطالع واتفاقها يرجع لأمر غير هذا فيجب عليهم ان يبينوه لنا بطريق علمي صحيح مقبول لا على طريق إنا وجدنا آباءنا على أمة.. وفي عهد آبائهم لم يكن يوجد الراديو والتليفون، والتلغراف والتليفزيون !
بل كان لا يصل خبر الهلال من أصيلا إلى طنجة ( بينهما حوالي 40 كلم ) إلا بعد مدة من الزمن. فقياس هذا العصر الذي صار العمل فيه للوصول إلى القمر الشغل الشاغل للدول، على عصرهم من الجمود الذي لا يرضاه ذوو العقول. بل من التهور المزري بصاحبه.
ثم من الأدلة النظرية على فساد القول باختلاف المطالع أن القمر يحتجب عن الأرض مرة واحدة في الشهر. فإذا كان ناقصا احتجب ليلة ثمان وعشرين، وإذا كان كاملا احتجب ليلة تسع وعشرين. فإذا ظهر وفارق الظل ظهر للأرض كلها وواجه الكرة بأسرها، وتابع سيره إلى أن يتم المنازل الثمانية والعشرين بدون احتجاب مرة أخرى.
وعلى القول باختلاف المطالع يجب أن يكون للقمر منازل أخرى غير المنازل المعروفة عند أهل الفن. ويكون احتجابه يتعدد بتعدد المطالع. وبذلك تكون عدة الشهور على خلاف ما أخبر به الله تعالى في قوله: < إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض >
ولعدم بناء مسألة اختلاف المطالع عند القائلين بها وهم قليلون جدا يعدون على الأصابع، على نظر علمي صحيح نجدهم اضطربوا اضطرابا عظيما بل شائنا في تحديد المسافة التي يحصل بها الاتفاق والاختلاف. الأمر الذي يجعل الباحث الطالب للقول الفصل في الموضوع يعرض عن أقوالهم بالمرة ولا يلتفت إليها مطلقا. لأنها كلها أقوال وآراء ليس عليها أثارة من علم.
فالأخذ ببعضها ترجيح بدون مرجح. فيجب طرحها وراء الظهر. والعمل بالقول الموافق لبرهان النقل والعقل في عدم الاختلاف. وهو قول الجمهور.
وبذلك يكون الإنسان قد سلك الجادة في هذا الموضوع. وعمل على بصيرة وبينة من أمره. لا سيما لمن يرفض الأخذ بالأقوال الجوفاء. ويربأ بنفسه أن يخوض في معركة سلاحها قال فلان وفلان. بدون أن يكون على ذلك القول شيء من الرواء.
ولا بأس بالإشارة إلى بعض أقوالهم في تحديد هذه المسافة لتعلم قيمتها وقدرها من الضعف والوهن. فإن مجرد النظر إليها يكفي اللبيب في معرفة ذلك فنقول:
جعل بعضهم المسافة في ذلك باتحاد الأقاليم. وهذا طبعا يراد به الأقاليم السبعة التي كان الأقدمون يعبرون بها عن تقسيم الكرة الأرضية.
فعلى هذا القول يكون مطلع طنجة متفقا مع مطلع (بكين) عاصمة الصين. لأن كليهما يقع في الإقليم الرابع كما يعلم من كتب تقويم البلدان. ومختلفا مع مطلع جبال الأطلس وسوس ودرعة ومراكش وسلا وآسفي وتادلا بل وأصيلا والعرائش فإن هذه المدن تقع عندهم في الإقليم الثالث انظر مقدمة ابن خلدون ص 52 طبعة بيروت وجعل بعضهم المسافة في ذلك مسافة القصر.
ومعنى هذا أن الهلال لو رؤي بسبتة فإن أهل طنجة لا يعملون برؤيتها وهذا يكفى سماعه عن رده.
وقال بعضهم: ضابط المسافة أن يكون الغالب أنه إذا أبصره هؤلاء لا يخفى عليهم إلا لعارض سواء في ذلك مسافة القصر أو غيرها.
وهذا ضابط غير منضبط. فإنه قد يتفق أن يرى أهل طنجة الهلال ويراه أهل الجزائر ولا يراه أهل تطوان والعرائش وأصيلا المجاورون لطنجة من غير أن يكون هناك عارض يمنع الرؤية.
وهذا الإختلاف في تحديد المسافة المعتبرة في اختلاف المطالع واتفاقها يكفي في الدلالة على أن القائلين بالاختلاف لا يستندون إلى حجة ولا برهان. بل يدل على صدق قول القائل: ( لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف)
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الفقهاء إذا تكلموا في مسائل تتعلق بسير الشمس والقمر أتوا بما يضحك الثكلى إلا النادر منهم ممن كان له تضلع في علم الفلك. كقولهم: إذا اجتمعت صلاة كسوف الشمس وصلاة العيد ماذا يقدم منهما..؟!!!
وهذا لا يكون مطلقا فإن كسوف الشمس إنما يكون وقت استسرار القمر آخر الشهر.
ولهذا انتقد ابن تيمية في كتاب ( الرد على المنطقيين) وقبله الغزالي في ( المنقذ من الضلال) تطفل الفقهاء على الكلام في هذه العلوم بدون معرفة. وقالا: من يفعل ذلك منهم يكون صديقا جاهلا للإسلام. بل قال ابن تيمية في كتابه ص 278 ( فليس لأحد قط أن يتكلم بلا علم بل يحذر ممن يتكلم في الشرعيات بلا علم وفي العقليات بلا علم. فإن قوما بزعمهم أرادوا نصر الشرع بعقولهم الناقصة فكان ما فعلوه جرأ الملحدين أعداء الدين عليه فلا الإسلام نصروا، ولا أعداءه كسروا).
والخلاصة أن القول باختلاف المطالع لا يستند إلى برهان ولا تقوم دعائمه على حجة علمية مقبولة. وإنما هو مجرد رأي بل شبهة وقع فيها من سبق، وتسلسل الأخذ بها بدون أن تعرض على ميزان النظر السليم لمعرفة قيمتها العلمية وكم من شبهة تأتي في صورة حجة كما يقول الشيخ الأكبر !!
فلم يسبق بعد هذا إلا العمل على المذهب الآخر. وهو مذهب الجمهور الذي يقول بأن الرؤية تعم وتلزم جميع البلاد إذا شوهد الهلال في بلد من البلدان قريبة كانت أو بعيدة لأن فرض رمضان لا يختلف باختلاف البلاد وقد ثبت الشهر فوجب صومه.
ويجمل بنا هنا أن نشير إلى حجة الشرذمة القليلة القائلة باختلاف المطالع ليكون القارئ على بينة من أمرها. ولئلا يقال عنا أننا رفضنا قولهم دون أن نعرف ونسبر غور دليلهم فنلمز بالتعصب وهو شر ما يوصف به المرء. ونحن – ولله الحمد- لا نأخذ قولا ولا نرد آخر حتى نحيط بجميع ماله وما عليه وإذا لم يمكني ذلك توقفت في الحكم. ولست من أتباع كل ناعق والمجيب لكل صارخ. لذلك أقول:
احتج القائلون (1) بذلك بحجتين:
أحدهما نقلية. والثانية نظرية.
أما الأولى فما رواه مسلم في صحيحه عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها. واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة. ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس. ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت: نعم، ورآه الناس.
وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الثانية: فقالوا إن الشمس لما تغرب في القاهرة مثلا ويظهر الهلال فيها يكون الوقت في المغرب الثانية أو الثالثة بعد الظهر.
فعلى هذا ما الذي يجب أن يعتبر ذلك الوقت إلى أن تغرب الشمس عندنا هل هو من رمضان أو من شوال. إن قلنا من رمضان فيجب ألا نعتبر رؤية القاهرة لأنه في ذلك الوقت صار عندهم من شوال. وإن قلنا من شوال عملا برؤية القاهرة وجب الفطر مع أن عدة رمضان بالنسبة إلينا لم تكمل بعد.
- لم يقل باختلاف المطالع إلاعكرمة والقاسم وسالم وإسحاق بن راهوية. وتبعهم بعض أتباع الشافعى مخالفين لإمامهم وغيره من الأئمة في ذلك. انظر توجيه الأنظار للشقيق أبي الفيض رحمه الله ص 51 فدل هذا في نظرهم – على وجوب اعتبار اختلاف المطالع وهاتان الحجتان، فيهما بُعد وأي بعد بل بطلانهما أظهر من أن يتكلف الجواب عنه ولكن لا بأس بالإشارة إلى ذلك.
أما الأولى: فإن قول ابن عباس هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس صريحا في أن الرسول عليه الصلاة والسلام نص عل وجوب اعتبار المطالع وإنما ذلك فهم فهمه من حديث صوموا لرؤيته لا غير. والدليل على ذلك أنه لم يرد ذلك منصوصا عليه في طريق آخر كما هي العادة في جميع أحكام الشريعة فإنه ما من حكم منها إلا وورد من طرق متعددة لا سيما في قضية مهمة كهذه تتعلق بحكم من أحكام الصيام الذي هو ركن من أركان الإسلام الخمسة ولهذا قال الأئمة لا نعرف معنى لحديث حتى نكتبه من كذا وكذا وجها. لأنه بكثرة الطرق يظهر ما في الحديث من احتمالات لا سيما بعد أن ثبت لدينا أن الصحابة كانوا يروون الحديث بالمعنى ولا يقفون مع اللفظ في بعض الأحيان. كما هو الشأن في حديث ابن عباس هذا. وفهم الصحابي غير حجة. وإنما الحجة في روايته ونقله لثقته وعدالته. ولهذا اختلف في الاحتجاج بقول الصحابي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو نهانا هل يدل على الوجوب والتحريم أم لا ؟.. لاحتمال أن يكون فهم الأمر والنهى من لفظ لا يدل على ذلك أومن واقعة رأى أنها تدل على ذلك.
وأما الحجة الثانية: فإن اختلاف البلاد في الفرق الزماني لا يدل على اختلاف مطلع الهلال لا من قريب ولا من بعيد.
لأن الاختلاف في الفرق الزماني يرجع إلى كرية الأرض وإلى خطوط الطول. وهذا لا علاقة له باختلاف مطلع الهلال على القول بوجود هذا الاختلاف. بدليل أننا نختلف مع الجزائر وتونس وهما القطران القريبان منا في الوقت الزماني، ومع ذلك نتفق معهما كثيرا في الرؤية.
بل لا توجد مدينة لا تسبق الأخرى في الشروق والغروب لأجل كرية الأرض. بل في المدينة الواحدة يقع ذلك.. ففي طنجة مثلا يسبق الشروق في المدينة نفسها عن الشروق في ( كاب اسبرتيل).. وكذلك الغروب لأجل كرية الأرض وهذا لا ينازع فيه أحد لأنه معلوم بالضرورة (1) ولهذا اعتبر الشارع في الإفطار غروب الشمس من أفق الصائم لا غير فقال إذا أقبل النهار من ههنا وأدبر الليل من ههنا فقد أفطر الصائم وإلا لو اعتبرنا التأخر أو التقدم في الوقت في مسألة الرؤية لوجب على أهل طنجة ألا يعملوا برؤية فاس، وأهل فاس ألا يعتبروا رؤية وجدة.. وهكذا لا أظن احدا يساعد على هذا القول مطلقا مع أنه من لازم قولهم لأنه وإن كان الفرق قليلا بالنسبة للأقطار البعيدة لكنه كثير بالنسبة للفرق الواقع بين أصيلا وطنجة.. فما من قليل إلا وهو كثير بالنسبة إلى ما هو أقل منه.
ولهذا كان تحديد المسائل التي تدخل في الأحكام بدون توقيف من الشارع تحكم محض. وترجيح بدون مرجح. إذ ما من تحديد إلا ويعارض بمثله فما الدليل على ترجيح هذا على ذاك إلا الدعوى
- بل يقع هذا في المكان الواحد بنسبة أعلاه إلى أسفله فلو ارتفعت طائرة وقت تحقق الغروب في طنجة إلى أجوائها لرأت الشمس لم تغرب بعد وقد حكى ابن العربي في شرح الترمذي ج 3/211 قال كنا نجلس على ظاهر المركب حتى إذا غربت صعد ملاح إلى الصاري الأصغر فيقول لم تغب بعد ثم نمكث قليلا فنقول قد غابت ويصعد آخر إلى الصاري الأوسط فيقول لم تغب بعد ثم نمكث قليلا فنقول قد غابت ثم يصعد الملاح في الصاري الأطول فيقول لم تغب بعد ثم نمكث قليلا أكثر من مكث دينك الأولين ثم يقول قد غابت فيفطر الناس حينئذ والبحر سطح مستو لا عوج فيه ولا أمت
وهنا أسأل أصحاب هذا القول ماذا يقولون في الوقت الواقع بين غروب طنجة وأكادير مثلا. هل يعتبر ويكون له أثر في اختلاف المطلع بين طنجة وأكادير أولا فإننا نعلم يقينا أن الهلال لما يثبت في طنجة تكون الشمس لا زالت بازغة في أكادير.
وما يجيبون به عن سؤالنا هو جوابنا نحن عن إشكالهم بدون أدنى أدنى فارق عند أهل العلم والنظر السليم من المكابرة والعناد.
وبعد: فهذه عجالة قدمتها بين يدي رمضان لأني رأيت كثيرا من الناس في حيرة من هذا الأمر، وقد تحكمت فيهم العادة الموروثة فيُصَيروها دينا يتعبد به، حتى دفعتنا إلى مهزلة لا يقرها طبع ولا شرع وهي أن يكون أهل تلمسان صائمين، وأهل وجدة وما هو أقرب منها إلى تلمسان مفطرين، أو العكس، مع أن المسافة لا تزيد على بعض كيلومترات معدودات بل ربما تكون خطوات لا غير كما هو الحال في المجاورين للحدود بحيث أن أحدهم يرى الآخر وربما تحدث معه وباع واشترى منه... الأمر الذي يدل على عدم فهم نصوص الشريعة على حقيقتها. وتعصب يزري بصاحبه ويلحقه بالبله المغفلين. وإلى الله ترجع الأمور.
وهذا الصنيع من مخلفات الاستعمار، وبقية من تركته المشؤومة في التفرقة بين المسلمين، وجعله الحدود السياسية فيصلا بين أمة وأخرى في أحكام الشريعة وأعظم دليل على هذا أن المغاربة اليوم لا يعملون برؤية موريطانيا لأننا نعتبرها خارجة عن الحدود السياسية. وإذا سمحت الأقداروضمت إلى المغرب فإننا نصوم علــى رؤية ( نواكشوط) بدون أدنى مراجعة من أحد ويصير عند ذاك مطلعها متفقا مع المغرب عندهم !!فيالها من فضيحة وياله من تلاعب بأحكام الدين !! وقع فيه المسلمون بسبب الاستعمار البغيض الذي كان هدفه الأول هو تقطيع أوصال الأمة الإسلامية وتشتيت أمرها وتفريق كلمتها في كل صغيرة وكبيرة. وقد فعل وساعده عل ذلك تضعضع الأمة من ناحية الدين والعلم. وتعلقها بآراء الفقهاء المبنية على القيلوالقيل، حتى عم البلاء وعز الدواء. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
|