بحـــــوث و أعـــــــــمـــــال
هذه أسئلة وجهها بعض طلبة كلية الطب بالإسكندرية للعلامة سيدي عبدالله بن الصديق رحمه الله تعالى
سئلت من بعض طلبة الطب بالإسكندرية أسئلة عن قضايا جديدة في علم الطب الذي يدرس ويمارس على الطريقة الأروبية التي تخالف التعاليم الإسلامية جملة وتفصيلا ، ومع هذا فالمسلمون في حاجة شديدة ملحة إلى الطب الحديث ، تعلما وتعليما وممارسة لحفظ صحتهم ، وعلاج أمراضهم فارتقى عن رتبة الحاجيات إلى رتبة الضروريات ، لتعلقه بحفظ النفس ووقايتها.
والشريعة الإسلامية تعطي الضروريات عناية تتفق وما لها ن أهمية ، فحرمت إتلاف النفس بالانتحار وأسبابه ، كوصال الصوم والإضراب عن الطعام وأوجبت شق بطن الميت إذا كان فيه مال لأحد لأن حفظ المال من الضروريات .
وإذا ماتت نفساء وفي بطنها جنين حي وجب إخراجه .
وإذا ماتت امرأة وسط رجال لم يجز لهم أن يغسلوها لأن حفظ عورتها من الضروريات ، ولكن ييممونها في وجهها وكفيها ومن هنا قال العء : الضرورات تبيح المحظورات ، يقصدون أن حفظ النفس وما في معناها من الضروريات إذا توقف على ارتكاب محرم ، ساغ ارتكابه ، ولم يصر مباحا بل هو لم يزل محرما ، ولكن الله تعالى يغفره ، لأجل الضرورة كما قاللى : (( فمن اضطر غير باغ ولاعاد فإن ربك غفور رحيم )) أفادت الآية أن الله غفر ارتكاب المحرم – مع كونه محرما – لأن مرتكبه مضطر.
ولهذا قال العلماء أيضا : ماجاز للضرورة يتقدر بقدرها يعني لايتوسع فيه كما يتوسع في سائر المباحات ، بل يقتصر فيه على قدر الضرورة بحسب زمانها ومكانها.
والضرورة في علم الطب تنحصر في أمرين
1-
إنقاذ نفس المريض من التلف ، إن كان له لأجل
2-
إذهاب ألمه ، أو تخفيفه على الأقل
ووظيفة الطبيب أن يعالج المريض لا أن يشفيه ، لأن الله تعالى هو الشافي (( وإذا مرضت فهو يشفين )) وفي إطار هذه المقدمة يظهر جواب الأسئلة المقدمة إلى
1-
يشرع للرجل ممارسة طب أمراض النساء والولادة ، بل هو فرض كفاية يقوم به بعض الرجال ، لقلة النساء الطبيبات وقلة كفاءته لكن لايباشر علاج امرأة أو توليدها إلا إذا لم يوجد في المكان طبيبة أو كانت موجودة وعجزت أو استعانت به ، فحينئذ يتعين عليه علاجها
2-
إذا كانت حالة المريضة خطيرة تستدعي العلاج فيجب عليه المبادرة إلى علاجها .
أما إذا كانت حالة المريضة لاتستدعي الاستعجال ، فلا بأس أن يؤخر العلاج ، على أنه لو عجل علاجها في هذه الحالة أيضا ، لم يكن عليه حرج ، لأن الضرورة موجودة وهي إنقاذ حياة المريضة ، أو تخفيف ألمها .
3-
يحرم اختلاء الطبيب بالمرأة أثناء الكشف عليها ، ولابد من وجود محرم معها ، ففي الحديث [ ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ] ، فوجود الزوج أو المحرم واجب شرعا.
وهل يكفي وجود امرأة من قريباتها ؟ محل نظر ، لأن المرأة تستر صاحبتها أو قريبتها إذا رأت منها ما يشين .
وإذا أتت مريضة بدون محرم معها فلا يكشف عليها الطبيب إلا إذا ترك باب العيادة مفتوحا على مصراعيه أو يدخل معها مريضات أخر ، حتى لايختلى بها . وعلى هذا ينبغي للطبيب أن يكون كشفه على النساء مجتمعات ، لامفردات ، أما إذا كانت حالة المريضة تستدعي التدخل الفوري وليس معها أحد وهي في عيادته أو في بيتها ، فيتصرف حسبما تقتضيه الضرورة العاجلة وفي العيادة يترك باب غرفة الكشف مفتوحا حتى لا تكون خلوة وإذا حضرت المريضة إلى العيادة بغير محرم وحالتها غير عاجلة ، فلا يكشف عليها .
توليد الطبيب للمرأة إن كان يتوقف على التدريب على عملية الولادة ، فيجوز بقدر الضرورة يعني إذا كان يكفي التدريب على عملية أو اثنتين مثلا ، تحرم الزيادة عليها ، ويأتي هنا سؤال وهو : هؤلاء الدايات الماهرات في التوليد منذ أقدم العصور ، كيف تعلمن ؟
يشترط في الطبيب المعالج لمسلمة أن يكون مسلما أو طبيبة نصرانية مثلا ، دخل أبو بكر الصديق على عائشة وهي مريضة ووجد يهودية ترقيها فقال لها : ارقيها بكتاب الله . والمقرر في الشريعة أن الذمي – يهودي أو نصراني – إذا كشف عورة مسلمة ومتعمدا انتقضت ذمته ، ولم يبق له حرمة ، وعلى هذا إذا فقدت الطبيبة المسلمة ، والطبيب المسلم ، والطبيبة النصرانية ، جاز أن يعالجها الطبيب غير المسلم للضرورة ، بشرط أن يكون مرضها شديدا يخاف على حياتها منه .
يجب على الطبيب أن يتحاشى النظر إلى العورة المغلظة إلا في حالة الضرورة القصوى ، لأن النظر إلى العورة المغلظة ، يوجب المقت كما في الحديث ، والنظرإلى عورة المرأة أشد مقتا. وإذا كان النجاح في الامتحان ، يتوقف على الكشف على مريضة وتشخيص مرضها ، فيجوز مع البعد عن عورتها إن أمكن، ولايجوز التدريب على مريضة مطلقا إلا إذا لم يكن مفر من ذلك بوجه من الوجوه .
4-
التكسب من الطب مشروع لابأس به، وهو على قدر ما يبذله الطبيب من مجهود ، وعلى هذا يقدر الطبيب الأجر الذي يأخذه على أساس ما بذل من جهد لا على أساس مستوى المريض الاجتماعي ، والطب في الأصل ليس المراد منه التكسب والإثراء كسائر المهن والصناعات ، بل هو خدمة إنسانية فلذلك ينبغي للطبيب أن يراعي الرفق في تقدير أجرته .
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ، فعرضت له امرأة تحمل ابنا لها فقالت : يا رسول الله ابني هذا يصرع في اليوم كذا مرة ، فأخذه بين يديه وعالجه ثم رده إليها وذهب ؛ وفي عودته لقيته المرأة في ذلك المكان ومعها كبشان فقالت يا رسول الله ابني لم يعد يصرع من ذلك اليوم وهذان لك ، فأخذ واحدا ، ورد عليها الآخر ، رفقا بها . وكان ابن جريج حافظا للحديث ، وطبيبا يعالج بالمجان.
وأخبرني صديق مصري أنه ذهب إلى لندن لعملية استخراج الحصوة واتفق معه الطبيب على مبلغ 410 جنيه ، وبعد انتهاء انتهاء العملية ولوازمها ، رد له الطبيب 100 جنيه فقال :ما هذا؟ قال الطبيب هذا حقك ، لأن المبلغ الذي طلبته منك تبين أنه أكثر مما يلزمك ، فمن من الأطباء يرد على المريض بعض ما دفعه ؟
والطبيب الذي يقول لأهل المريض : انقلوه إلى المستشفى ، أو كلمة نحوها لايستحق أجرة ، ولو أخذها فإنه يأخذ حراما ، ويشبه ذلك طبيبا أعرفه دعي للكشف على طبيب فوجده في سباق الموت وهذه حالة لاتخفى على الطبيب ومع ذلك كتب له دواء وأخذ الأجر ، ولم يبعد عن البيت بضع خطوات حتى سمع صراخ أهله عليه ، فكان ينبغي له أن يرد ما أخذه منهم ، لكنه لم يفعل ، بل ما كان ينبغي له ان يأخذ أجرا من مريض في سباق الموت ولكنه الحرص على المال . ويجوز للطبيب الكشف على البنت الصغيرة إذا كان معها من يحرسها ، والمرأة العجوز لابد أن يكون معها محرم ، لأن الله نهى العجائز عن التبرج في قوله تعالى (( والقواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة )) ، لأن أطماع الرجل قد تمتد إليهن وترغب فيهن ، وفي المثل العربي : ما من ساقطة إلا ولها لاقطة .
والطبيبة تكشف على الرجل إذا لم يوجد غيرها لكن لايجوز اختلاؤهما .
5-
التشويهات الخلقية الوراثية ، لاتجوز إزالتها بعملية تجميل ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن المتزينات بالنمص ووصل الشعر ، وسماهن مغيرات لخلق الله ، والمرأة أحوج إلى التزين من الرجل ، والحالة النفسية لا اعتبار لها في هذا الباب ، إلا إذا كانت التشوهات تسبب آلاما وأضرارا بدنية ، جاز إزالتها أما إذا كان التشوه نتيجة حادث عارض فيجوز إزالته ، لأن صحابيا قطع أنفه في حرب أيام الجاهلية ، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب .
ومن هذا الحديث يؤخذ جواز استعمال الأطراف الصناعية مثل يد أو رجل أو عين أو طقم أسنان .
6-
أما نقل عضو من ميت فور موته ، كعين أو كلوة ، إلى مريض ، فهذا مما شاع عند الأطباء الأوربيين ، وقلدهم فيه أطباء المسلمين ، وهو خطأ كبير. لأن الدين الإسلامي يحترم المسلم الميت ، ولايجيز نقل عضو منه إلى غيره كيفما كانت
الأسباب ، ولو أوصى المسلم قبل موته بأن ينقل عضوا منه لمصلحة مريض لاتنفذ وصيته ، لأن أعضاءه ليست ملكا له ، فلا يملك التصرف فيها وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن المسلم فيه 360 مفصلا ، وأنه ينبغي له كل مطلع شمس أن يقدم صدقات بعددها شكرا على إنعام الله بها عليه وأنه يقوم مقام الصدقات طاعات أخرى كالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل بعددها ، ذلك أن الأعضاء ملك لله تعالى لايجوز إزالة عضو منها إلا إذا كان به مرض يخشى أن يتسرب منه إلى بقية الأعضاء ، فيجب بتره حفظا لها ، وإبقاء عليها . وقد ظهرت الأكلة في رجل عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة وعلمائها ، وأخبره الأطباء أن رجله إذا لم تقطع فسيسري المرض إلى غيرها ، فقطعها .
وبعض المتحذلقين يسوغ نقل عضو من ميت إلى حي ، بقوله : الحي أفضل من الميت ، وهذا قول باطل ، فإن الصالح الميت أفضل من الفاسق الحي ، والعادل الميت أفضل من الظالم الحي ، فنقل العضو من الميت حرام ، وتزداد الحرمة إذا نقل من مسلم إلى كافر.
أما نقل الدم من شخص إلى آخروالدم سائل نجس كالبول فهل يجوز التداوي به ؟
مسألة فيها نظر؛ ثبت في الحديث أن قوما استوخموا المدينة لم يوافقهم هواؤها فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشرب أبوال الإبل وألبانها ، فصحوا . قال الشافعية : بول الإبل نجس وجاز شربه لأجل التداوي ، وعلى وزنه يقال : ]جوز نقل الدم مع نجاسته لأجل التداوي .
وبالنسبة للكحول يحرم التداوي به ، أما إذا كان داخل دواء واستهلك فيه بحيث لم يبق له رائحة ولا طعم جاز التداوي به ، ولاحرج فيه .
وبالنسبة للتخدير يجوز استعماله لإجراء جراحة ، أو لدفع آلامها بعد نهايتها ، أما إعطاؤه للمرضى فلا يجوز، لأنه يعودهم الإدمان عليه ويفسد مزاجهم .

كذلك لايجوز علاج المصروع بإعطائه مخدرا ، إذ هو علاج وقتي لا يذهب الصرع من أصله ، والطب الحديث لايعترف بصرع الجن، ويلجأ في علاجه إلى المخدر أو الصدم الكهربائي ، وهو خطأ كبير، فالواجب على الطبيب المسلم ألا يعالج المصروع بالتخدير بل يعالجه علاجا روحيا بالقرآن والأذكار الواردة في السنة ، أو يحيله على رجل صالح يعالجه بذلك . وقد حدث في شبابي أن ابنة خالتي صرعها جني ، ولازمها وأكثر من صرعها ، فكنت أعالجها بسورة الجن أقرأها عليها وكانت إذا رأتني داخلا عليها تخاف مني وتصرخ ، وهذا عمل الجني الذي يصرعها ؛ وبعد شهرين من العلاج صحت وسلمت ، وهي الآن متزوجة ولها أحفاد...
9-
لغيره من الأسباب ، والذين أفتوا بجواز تشريحه مخطئون متساهلون ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : كسر عظم الميت ككسره حيا.
والحكومة السعودية تستورد من الهند جثث البوذيين الوثنيين الذين يموتون في حادث غرق أو سير ليتدرب عليها طلبة الطب عندها .
فيجب على الحكومة أن تفعل مثل السعودية كما يجب على وزارة الصحة وكلية الطب بوجه خاص أن تذكر أنها في بلد إسلامي وبين شعب مسلم .
فيجب أن تراعي شروط الإسلام في تعليم الطب ، ولايتعلم الطالبات إلا التوليد وأمراض النساء ولايحضر الطلبة تشريح امرأة..
10-
إذا دعي طبيب لإجهاض حامل فيحرم عليه إجهاضها ، إلا في حالتين : أن لا يتم تكوين الجنين في بطنها ، أو تم تكوينه ولكن حالتها خطيرة بحيث يتعين الإجهاض لإنقاذها من الموت ، ففي هذه الحالة تكون المحافظة على حياتها أهم من الجنين .

بقي أن ننبه على أمر لايعرفه الأطباء المسلمون لتقليدهم الأوربيين :
إذا دعي طبيب مسلم للكشف على مريض مسلم في بيته ، فقد علم أن مسلما مريض ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن حق المسلم على المسلم ست ، وذكر منها أن عوده إذا مرض ، فليجعل الطبيب خطواته إلى بيت المريض قياما بحق العيادة المطلوبة ، فيثاب عليها ، ويأخذ الأجر من المريض باعتبار أنه كشف عليه في عيادته لا في بيته ، وهذا المعنى لم يتفطن له الأطباء المسلمون مع وضوحه.

ونحن قد نسينا ديننا وتقاليدنا واتبعنا الأوربيين في كل ما جاؤوا به من غير استثناء .
وحسابنا عند الله عسير إن لم نتدارك الأمر ونرجع إلى قواعد ديننا الحنيف ، والسلام .